الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
164
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ربما يحرك النسيم العليل ماء الحوض الصغير ، ولكن المحيطات العظيمة كالمحيط الهادي - مثلا - يستوعب حتى الاعصار الذي يتلاشى أمام هدوئه وسعته . وقد يتصبر الإنسان أحيانا ، ولكنه سرعان ما يتلف هذا الصبر بكلماته النابية التي تدل على عدم الشكر وعدم تحمل الحادثة ونفاد الصبر . ولكن المؤمنين الذين يتمتعون بإرادة قوية واستيعاب للحوادث ، هم أولئك الذين لا يتأثرون بها ولا يجري على لسانهم ما يدل على عدم الشكر وكفران النعمة أو الجزع أو الهلع . صبر هؤلاء هو الصبر الجميل . . . قد يبرز الآن هذا السؤال ، وهو أننا نقرأ في الآيات الأخرى - من هذه السورة - أن يعقوب بكى على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ، أفلا ينافي ما صدر من يعقوب صبره الجميل ؟ ! والجواب على هذا السؤال في جملة واحدة ، وهي : إن قلوب عباد الله مركز للعواطف ، فلا عجب أن ينهل دمع عينهم مدرارا ، المهم أن يسيطروا على أنفسهم ، ولا يفقدوا توازنهم ، ولا يقولوا شيئا يسخط الله . ومن الطريف أن مثل هذا السؤال وجه إلى النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين بكى على موت ولده إبراهيم حيث قالوا له : يا رسول الله ، أتنهانا عن البكاء وتبكي ؟ ! فأجابهم النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب " . وفي رواية أخرى أنه قال : " ليس هذا بكاء إنه رحمة " ( 1 ) . وهذا إشارة إلى أن ما في صدر الإنسان هو القلب ، وليس حجر ! وطبيعي أن يتأثر الإنسان أمام المسائل العاطفية ، وأبسط هذا التأثر هو انهلال الدمع . . . إن هذا لا يعد عيبا ، بل هو أمر حسن ، العيب هو أن يقول الإنسان ما يسخط الرب . * * *
--> 1 - بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 157 و 158 .